محمد حسين علي الصغير

140

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

أحدها : التعمية والتغطية ، وثانيها : الرغبة عن الخسيس المفحش إلى ما يدل على معناه من غيره . ثالثها التفخيم والتعظيم ، ومنه اشتقت الكنية « 1 » . هؤلاء الأعلام الثلاثة أشاروا مجتمعين إلى بعض جوانب الكناية دون التمحض للتعريف ، ووضع الحد الاصطلاحي الدقيق ، فأبو عبيدة يدور حوله موليا للكناية مهمة النحويين في الإضمار وعدم الإظهار ، والجاحظ يعدها في الأساليب البلاغية ليس غير ، والمبرد يتحدث عن مميزاتها والهدف منها ، وطريقة استعمالها . ج - وفي جانب آخر نلحظ كلا من أبي هلال العسكري ( ت : 395 ه ) وأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني ( ت : 456 ه ) خالطين بين الكناية والتعريض تارة ، وبين الكناية والإشارة تارة أخرى . فأبو هلال يقول : « الكناية والتعريض أن يكنى عن الشيء ويعرض به ولا يصرح ، على حسب ما عملوا باللحن والتورية عن الشيء » « 2 » . وابن رشيق أدخل الكناية في باب الإشارة لأنها نوع من أنواعها كالتفخيم والإيماء والتعريض والكناية والتمثيل والرمز واللحن واللغز والتعمية والحذف والتورية « 3 » . فهي عنده قسيم لا أساس ، وفرع لا أصل . د - وجاء عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 ه ) ليضع للكناية حدا اصطلاحيا وبعدا بيانيا تبعه عليه من لحقه واقتفى أثره فيه من أتى بعده ، فلقد تناول الكناية في عدة مواضع من معالجاته البلاغية موجزا ومفصلا ومدللا . قال في تعريفها : « المراد بالكناية هاهنا : أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني ، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود ، فيومئ به إليه ، ويجعله دليلا عليه » « 4 » .

--> ( 1 ) المبرد ، الكامل : 2 / 674 . ( 2 ) أبو هلال العسكري ، كتاب الصناعتين : 368 . ( 3 ) ابن رشيق ، العمدة : 1 / 312 . ( 4 ) الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 40 .